الشيخ محمد الطاهر ابن عاشور

69

تفسير التحرير والتنوير ( تفسير ابن عاشور )

مقتضى ارتباط نظم الكلام يوجب أن يكون مضمون هذه الجملة مرتبطا بمضمون الجملة التي قبلها فيكون عطفها عليها عطف التكملة على ما تكمّله ، والجملتان مجعولتان آية واحدة في المصحف . وافتتحت الجملة باعلموا ؛ للاهتمام بما تتضمنه وحث المخاطبين على التأمل فيما بعده ، وذلك من أساليب الكلام البليغ أن يفتتح بعض الجمل المشتملة على خبر أو طلب فهم بأعلم أو تعلم لفتا لذهن المخاطب . وفيه تعريض غالبا بغفلة المخاطب عن أمر مهم فمن المعروف أن المخبر أو الطالب ما يريد إلّا علم المخاطب فالتصريح بالفعل الدال على طلب العلم مقصود للاهتمام ، قال تعالى : اعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ شَدِيدُ الْعِقابِ وَأَنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَحِيمٌ [ المائدة : 196 ] - وقال - اعْلَمُوا أَنَّمَا الْحَياةُ الدُّنْيا لَعِبٌ وَلَهْوٌ [ الحديد : 20 ] الآية وقال في الآية ، بعد هذه وَاعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ شَدِيدُ الْعِقابِ [ الأنفال : 25 ] وفي الحديث أن النبي صلى اللّه عليه وسلم قال لأبي مسعود الأنصاري وقد رآه يضرب عبدا له « أعلم أبا مسعود اعلم أبا مسعود : أن اللّه أقدر عليك منك على هذا الغلام » وقد يفتتحون بتعلّم أو تعلمنّ قال زهير : قلت تعلّم أن للصيد غرة * وإلّا تضيّعها فإنك قاتله وقال زياد بن سيّار : تعلّم شفاء النفس قهر عدوها * فبالغ بلطف في التحيّل والمكر وقال بشر بن أبي خازم : وإلّا فاعلموا أنّا وأنتم * بغاة ما بقينا في شقاق و أَنَّ بعد هذا الفعل مفتوحة الهمزة حيثما وقعت ، والمصدر المؤول يسدّ مسدّ مفعولي علم مع إفادة ( أن ) التأكيد . والحول ، ويقال الحؤل : منع شيء اتصالا بين شيئين أو أشياء قال تعالى : وَحالَ بَيْنَهُمَا الْمَوْجُ [ هود : 43 ] . وإسناد الحول إلى اللّه مجاز عقلي لأن اللّه منزه عن المكان ، والمعنى يحول شأن من شؤون صفاته ، وهو تعلق صفة العلم بالاطلاع على ما يضمره المرء أو تعلق صفة القدرة بتنفيذ ما عزم عليه المرء أو بصرفه عن فعله ، وليس المراد بالقلب هنا البضعة الصنوبرية المستقرة في باطن الصدر ، وهي الآلة التي تدفع الدم إلى عروق الجسم ، بل المراد عقل